القبعة وصاحبتها .. ناجي ظاهر

عاشت في قديم الزمان قبعة مسالمة تحب الناس والآخرين، ولا تؤذي أحداً، بل على العكس كانت تحسن لصاحبتها، التي ورثتها عن أمها، وأمها ورثتها بدورها عن جدتها، وتوارثتها البنات عن الأمهات. ويقال انها كانت تُسعد من يرتديها، فلا يشعر بحرّ الشمس اللاهبة ولا ببرودة الشتاء القارسة، انما يعيش، في فصول السنة المختلفة، على وفاق مع نفسه، ومع الآخرين.

ومع هذا كله كانت تلك القبعة تعاني من مشكلة حقيقية، فهي تريد ان تستقل بشخصيتها، تريد ان تشعر بذاتها، بكيانها، احترامها لنفسها، وباحترام الآخرين لها، ولا يكفي بأية حال من الأحوال ان يشكرها الآخرون والأخريات، لأنها قدمت لهم السعادة، وحمتهم من الطقس وتقلباته، وكانت تقول لنفسها، في كثير من الأحيان: الشكر مهم، لكن الحرية ايضاً مهمة، بل هي أهم!!!

وبقي حال تلك القبعة هكذا، ومرت أيام وأسابيع وسنوات وهي تناقش بنفسها وتحاول ان تناقش المحيطين بها، دون جدوى، حتى انها ذهبت ذات يوم الى صاحبتها وقالت لها: أريد ان أستقل بشخصيتي، أريد ان أشعر بنفسي!! فردّت عليها صاحبتها قائلة: ماذا تقولين، وهل لك وجود آخر غير وجودك معي؟ فحزنت القبعة ولم تجب الا بعد يومين، عرفت خلالهما الحزن العميق وكأنما هي لم تعرفه من قبل. أجابت قائلة: بالطبع لي مثل هذا الوجود، صحيح ان وجودي مرتبط بك، لكن هذا لا يعني انني غير موجودة بشكل مستقل!! وهنا تأففت صاحبة القبعة، وقالت لها: لا تهذري كفاك كلاماً فارغاً...

وخفضت القبعة رأسها، ولم ترفعه وقررت الا تعود الى الشكوى، والى النقاش، اذ أحست ان مثل ذلك النقاش واتهامها بالهذر، لن يعود عليها بالفائدة، ولن يساعدها بالخروج من تلك المشكلة المزمنة. واستسلمت الى احزان، لا يعرفها الا السجناء والمرضى والغرباء والمظلومون من ذوي القربى، وكانت اللحظات تمرّ كأنما هي فقدت معناها، وبدت الحياة، للقبعة، كأنما هي فانية ولا تستحق ان تُعاش!! وانه ليس عليها الا ان تعيش بانتظار الموت يأتي ذات يوم فيأخذها بعيداً عن الآخرين، وعن صاحبتها الظالمة، وعن الدنيا وما فيها.

الى هذا الحد بلغ احساس القبعة بالمهانة!

وفي ذات يوم سمعت القبعة صوتاً ملائكيّاً يأتي من السماء البعيدة، كان الصوت اشبه بالأنغام الموسيقية تأتي، على حين غرة، فتملأ الكون جمالاً وبهاء، وأصغت القبعة الى ذلك الصوت وتلك الأنغام، فاذا بها تفهمها كأنما هي اللغة التي حلمت بها وتمنتها، طوال سنوات عمرها المديدة، بنهاراتها ولياليها الطويلة الباردة، وفهمت القبعة ــ دون ان تفهم ــ ان بامكانها ان تكون حرة ولها شخصيتها المستقلة بها، وان ذلك يحتاج لقرار وحيد احد، هو ان تغادر المكان، وان تقيم في آخر، فلعل صاحبتها تعرف قيمتها وتدرك ان لها مكاناً خاصاً بها، دون ان يلغي ذلك ارتباط كل من الاثنتين بالأخرى!!

ولم تتردد القبعة باتخاذ القرار، فقد انتظرت، طوال السنوات الماضية من يشجعها ويأخذ بيدها، لكي تحقق ما تريد. وها هو الصوت الرائع الطيب الحبيب على القلب والروح، يأتي ليقول لها، بمنتهى الحنو والحب، بامكانك ان تحققي ما تريدين. صحيح ان ما ارادته تأخر، لكنه أتى في النهاية، وصحيح ايضاً انها انتظرت كثيراً، مثلما يحدث في أحيان كثيرة، وفي مواقف مشابهة، لكن هذا هو انتظارها يونع ويثمر، وها هي تقف فجأة، وبقدرة صوت حان، يأتي من بعيد بعيد، امام عالم من السحر والجمال كانت تعرف انه موجود دون ان تراه، وكانت تدرك انه قائم دون ان تلمسه!! فلتتمجد الأسماء كلها، وليفرح الوحيدون والغرباء والمظلومون في الأرض ببقاعها المختلفة.

وبقدر ما كان القرار، في السابق، صعباً، أصبح الآن سهلاً. وما ان وضعت القبعة قدمها اليسرى خارج ذلك البيت، حتى شعرت بالحرية، وبما أرادت، منذ بدأت تعي الدنيا وتفهمها، أدركت، بما لا يقبل الشك، ان العالم أصبح ما قبل ذلك الصوت وما بعده.

وراحت القبعة تنتقل من مكان الى اخر، شاعرة انها خفيفة كالفراشة، جميلة كالورد، طيبة كالماء القراح... وقالت، وهي تلقي بجسدها المسرور، على صدر الغيم: ما اجمل الدنيا. ومرت الثواني، والدقائق والساعات، الليالي والنهارات، الى ان جاء يوم اجتاحتها خلاله نوبة حنين الى الماضي والى صاحبتها فقررت ان تهاتفها بواسطة الهاتف وان تقول لها انها ما زالت حية، وانها مشتاقة اليها.

نعود الى صاحبة القبعة. فما ان مدّت يدها لكي تتناول قبعتها الحبيبة من مكانها المعروف، حتى فوجئت بغيابها!! وراحت، اثر ذلك تبحث عنها في الأماكن كلها، بحثت عنها في البيت، في الخزانة، وتحت الكراسي، وفي المخزن، ثم بحثت عنها في المدينة، في الشوارع، والساحات، وتنقلت باحثة عنها من مكان الى اخر، ومن مدينة الى اخرى، بل من بلاد الى بلاد، دون جدوى. وعادت المسكينة الى بيتها متعبة منهوكة القوى، واستلقت على سريرها لا تريد ان ترى أحداً، وطلبت من اهلها ان يخبروا الآخرين انها غير موجودة، اذا سألوا عنها، واستغرقتها احزان لا حدود لها.

وفي البداية سأل عنها الناس والأقرباء والاصدقاء، وعندما احسوا بعدم جدوى السؤال توقفوا.. وبعد ايام من الوحدة، والشعور بالغربة والظلم، لأن القبعة غادرت البيت، وتركت صاحبتها وحيدة، جاء المرض الى البيت وبدون ان يستأذن، اقام في جسد صاحبة القبعة. وعندما أحست المريضة بدنوّ الأجل، راحت تراجع الماضي، وتتذكر ما مرّ بها من أحداث. وراحت تحاسب نفسها وتناقش، بصوت خفيض، اين اخطأت واين اصابت. ولحظة مدّت يدها ولامست يد الوحدة، ادركت كم اخطأت يوم استهانت بقبعتها العزيزة الغالية، قبعة امها وجدّتها، وحزنت المسكينة اكثر، وفاضت الدموع من عينيها. فماذا يكون لو تركت قبعتها تشعر بنفسها، بحرّيتها وكرامتها وشخصيتها المستقلة، دون ان يسيء ذلك لعلاقتها بها؟! 

وما ان بزغ النهار، وزقزقت العصافير قرب النوافذ وعلى الاشجار المتشرة في اماكن كثيرة، حتى احست صاحبة القبعة بشيء من التحسن. وجاءها صوت ملائكي حان اشبه بانغام الموسيقى. وفهمت بعد لحظات، ان قبعتها الغائبة، ستتصل بها، وستقول لها انه لا غنى لاحدانا عن الأخرى. وان ذلك لا يلغي ان لكل منا حريته وشخصيته الخاصة به.

بعد دقائق رنّ الهاتف. فتناولته المريضة بلهفة، وسمعت حفيف قبعتها يأتي من بعيد بعيد، ويشنف اذنها، بالضبط مثل انغام الموسيقى التي انبعثت من السماء، قبل قليل، كان حفيف القبعة يقول لها، ربما لأول مرة بهذه الحدة، انه لا غنى لاحدانا عن الأخرى، وانني سآتي اليك يا حبيبتي!!

في تلك اللحظة، فقط، اخذت صاحبة القبعة تتماثل للشفاء، وادركت انها تعلمت درساً لن تنساه ما دامت حيّة ويشم أنفها الهواء.

 

 

 

 

هل تعلم من هو المتنبي

لمعلومات عن المتنبي تفضل بالضغط هنا

0546446736 شادي مصالحه - ليانت - 89
© 2012 alzahraa.net