سر التلفون .. ناجي ظاهر

لفت نظرنا، نحن رواد مقهى الصداقة، في الناصرة، ان هناك شاباً واقفاً قرب التلفون العمومي، على الرصيف المحاذي ونازل كلام.

وتكرر الموقف في اليوم التالي، فرحنا نتساءل، مع مَن يتكلم يا ترى؟ وماذا يقول، وأية مكالمة في العالم تستاهل ان يقضي المتحدث فيها ساعات وساعات؟ وهو يتحدث ويتحدث ولا يتوقف عن الكلام؟ ثم ماذا يقول هذا الشاب، ومن اين يأتي بهذه المنظومات الكلامية التي تستغرق كل هذا الوقت؟

وزاد في تساؤلنا ان الشاب جاء في اليوم الثالث وواصل كلامه، وطال حديثه، حتى ان احد افراد الشلة ذهب لاجراء معاملة في البلدة المجاورة، وعاد، والشاب ما زال يواصل كلامونسينا في اليوم الرابع كل ما يحيط بنا، ووضعنا رؤوسنا في رأس ذلك الشاب. نسينا كلام الأدب والفن والثقافة والعلم، نسينا اننا أدباء ورجال فن وثقافة وعلم، ولم نعد نفكر إلا بذلك الشاب.. مع من تراه يتحدث، وماذا يقول؟ ولماذا هو يواصل المكالمة لساعات طوال؟ ولم يكن أمامنا من أجل ان نفهم ما يدور حولنا.. سوى ان نراقبه.. وابتدأنا المراقبة.

ولاحظنا في اليوم الرابع ان الشاب بدأ بالمكالمة هادئاً تمام الهدوء، مثل النسيم العليل، بعد ذلك يأخذ بالثوران رويداً رويداً، وحاول ان يضبط نفسه، فأخذ بالضغط على كل ما أتي في وجهه، بعد ذلك أخذ بالارتخاء رويداً رويداً، حتى عاد الى عهده السابق. بالضبط مثلما كان. ولفت نظرنا ان الشاب أتى الى التلفون فرحاً وغادر فرحاً، ولم يرضى ان يغادر وهو زعلان، مهما كلف الأمر!!

وصار الشاب، في اليوم الخامس قصتنا التي تدور احاديثنا كلها حولها، فحين تأخر قليلاً، تساءلنا اين تراه ذهب؟ وماذا تراه يفعل؟ وهل ذهب اليها، واستغنى عن التلفون.

غير ان الشاب سرعان ما أتى ملهوفاً مشتاقاً الى التلفون. يريد ان يعانقه وان يضعه في عينيه، فاقترب منه كما يقترب العاشق من معشوقته، وكأنما هو يريد ان يعتذر لها عن تأخره، وان يبرر لها سبب غيابه.. ولم يكن يظهر عليه انه يتوقع انها قد تصده، فاقترب واثقاً من نفسه ومن انه لن يصدّ.

وHنتظرنا ان يأتي، في اليوم الخامس، غير انه لم يأت، ولم نعرف ماذا نفعل فقد اعتدنا على حضوره، واخذنا نضرب اخماساً باسداس، وتفتقت قريحة احد افرا شلتنا، ان يقوم هو بالدور، فاعجبتنا فكرته، وشجعناه عليها، لأنها عبرت عما بداخلنا.. فما كان من صاحب الاقتراح الا ان توجه الى حيث التلفون واقترب منه، بالضبط مثلما يفعل ذلك الشاب، ولاحظنا انه يفرك يديه وهو يقترب من التلفون، وابتسم مثلما يفعل العشاق، فدقت قلوبنا وطارت عقولنا، الا ان ما قام به توقف فجأة، فسألناه لماذا لم يواصل تأدية ما اقترحه، واخذنا نمتدح اداءه، فاخبرنا انه شعر بالفعل، بمثل ما يشعر به العشاق، حين دنا من التلفون، الا انه حين تناول السماعة، لم يعثر على الكلمات.. ولم يدر ماذا بامكانه ان يفعل.

واطلقنا ضحكات مترددة.. واخذنا نفكر بذاك الشاب.

ولم ينقذنا من افكارنا، سوى مجيئه في اليوم السادس، وكان الانفعال واضحاً عليه، وبدأت عضلات وجهه تتقلص وتتمدد كلما اقترب من التلفون.

وتوقفت قلوبنا عن النبض، منتظرة ما سيفعله. وكان من الواضح انها مكالمته الأخيرة، لأنه لم يبدأها بالفرح، ولم ينهها بالفرح، وكانت الدموع تملأ عينيه وتسيل على خديه، وانسل الشاب مثلما ينسلّ الخيال، وادركنا ان كل شيء انتهى.. ومنذ ذلك اليوم ونحن نرسل نظراتنا من مقهى الصداقة في الناصرة، وننظر باتجاه التلفون في الرصيف المحاذي للمقهى، ونرجو ان يعود ذاك الشاب الذي ذهب، فلعله يوقظ الحلم الذي نام في صدورنا، نحن ابناء الأربعينات.

 

 

هل تعلم من هو المتنبي

لمعلومات عن المتنبي تفضل بالضغط هنا

0546446736 شادي مصالحه - ليانت - 89
© 2012 alzahraa.net