|
كنا أربعة أشخاص، أنا وصديقي الفنان موسى حنا إبراهيم، والمربيان عصام حسن ومحمد كريم، المدرسان في مدرسة الزهراء الإعدادية في الناصرة. وكنا نستقل سيارة الأخير في احد أيام نيسان الماضي، في طريقنا إلى قرية الآباء والأجداد المهجرة من أهلها . قريتي سيرين، وهي واحدة من 531 قرية فلسطينية هجرت من أهلها عام النكبة، وكانت تابعة آنذاك لمنطقة مدينة بيسان..

قبل أيام اتصل بي الأستاذ محمد كريم واخبرني أن مدرسته قررت تخصيص مساحة واسعة على موقعها الالكتروني لي، لكتاباتي ونتاجي الأدبي تحديدا، واخبرني أيضا انه ينوي اصطحابي إلى بقايا سيرين كي يلتقط لي هناك بعض الصور من اجل نشرها. وجاء في اليوم المحدد وسألته ما إذا كان بالإمكان أن يرافقنا صديقي موسى فرد بالإيجاب. وانطلقنا بعد ذلك باتجاه القرية. في الطريق أحسست أن تحديد مكان القرية وموقعها غير واضحين، فتوجهت إلى قائد المركبة كريم، وهو معلم جغرافيا ومرشد في البلاد وطبيعتها، وقلت له، إن سيرين هي بلدة الأهل وإنني لم أزرها في حياتي سوى مرتين، الأولى بعد عام 1967 يوم كنت في غرة الصبا، وزرتها برفقة الأهل الذين وفدوا من الأردن خصيصا لزيارتها، والثانية قبل نحو العشرين عاما يوم أتى صديقي الشاعر سعود الأسدي واصطحبنا، أنا وصديقنا المشترك الشاعر فتحي القاسم لزيارتها. وحللنا يومها ضيوفا على رجل بدوي كان ينزل هناك هو وأبناء عائلته، لان أرضها وعينها المائية تشكلان مرعى خصبا لأبقاره وفيرة العدد . يومها التقط سعود صورا مشتركة لنا قرب عين القرية المائية، وما زالت هاته الصور في ألبومي الشخصي حتى هاته الأيام.
وواصل كريم الانطلاق في سيارته السوبارو القديمة، وكان كل منا يبدي دهشته بتلك الطبيعة الغناء وبألوانها الزاهية الخلابة، ويضمر في الآن ذاته أكثر من سؤال، فهل سنصل الى سيرين قبل غروب الشمس؟ في البداية انطلقنا باتجاه مستوطنة "سيرونا"، إلا أن كريم ما لبث أن اكتشف أن اسم المستوطنة غرر بنا وأننا نسير في الاتجاه المعاكس، وطلب آنذاك من زميله عصام أن يناوله خارطة البلاد من جيب السيارة، فأخرجها هذا، وراح الاثنان يقران فيها ويحاولان أن يفكا رموزها، وافترشت الابتسامة عيني كريم ووجهه، وانطلق في السيارة باتجاه جبل الطور ثم باتجاه قرية إندور التي تقوم عليها اليوم مستوطنة "عين دور"، وبدا في تلك اللحظة أننا عثرنا على ضالتنا، وأننا نسير في الاتجاه الصحيح إلى سيرين.
وابتدأت رويدا رويدا استعيد صور الطرق الصعبة إلى قريتي، وابتدأت الصور تتداعى إلى ذاكرتي . اجل من هنا عبرنا، وشرعت أتذكر كم كانت الطريق صعبة وكيف وصلنا، أنا والأهل في زيارتنا الأولى . إننا هنا قريبون جدا من مركز القرية حيث تقوم عينها المائية وبقايا مقبرتها. وانطلقت السيارة بنا وتوقف كريم ليوحي بأننا أضعنا الطريق مرة أخرى. الموقف كان صعبا في تلك اللحظة فماذا افعل؟ قلت أولا : ان الطريق في المرة السابقة، يوم زرنا القرية أنا وسعود وفتحي كانت سالكة ولم تكن صعبة، واقترحت أن نتصل بسعود وتمكنت من الاتصال به بالفعل وناولت الهاتف النقال إلى قائد المركبة كريم كي يرشده سعود إلى الطريق الصحيحة الموصلة إلى القرية، ودار حديث بين الاثنين، فهمت منه أن سعود أيضا نسي الطريق ولم يعد يتذكرها جيدا، لان زيارتنا تلك تمت قبل سنوات بعيدة، وفرد كريم مرة أخرى خارطته وراح يؤشر عليها، نحن الآن في منطقة وادي البيرة، إن ارض الوادي تقع ضمن أراضي قريتنا. أبي كان يقول لي هذا قبل أن ينسحب عام 1976 من عالمنا تاركا وراءه حسرة وحزنا شديدين ، لأنه لم يتمكن من العودة إلى قريته وبيته. في وادي البيرة بدا أن الطريق إلى سيرين صعبة جدا، وكان من الواضح أننا قريبون جدا من مركز القرية، وفي الآن ذاته من الصعب علينا أن نصل إلى مركزها. وابتدأت الشمس في المغيب وبات من شبه المستحيل علينا الوصول إلى مركز القرية، فماذا نفعل؟ وفوجئت بكريم وحسن يطلبان مني أن انزل من السيارة وراحا يلتقطان لي الصور هناك في وادي البيرة . وبدا أن التقاطنا للصور خفف عنا قليلا، ولجأت إلى المزاح، حيلة العاجز، وأعربت عن أسفي لأننا لم نصل إلى مركز القرية، كما حصل في الزيارتين السابقتين ورحت أوجه الكلام إلى صديقي موسى، وهو إنسان شديد الحساسية تجاه المكان، قلت: إنني أعجب لما يحصل الآن. نحن نبحث عن قرية . لو كنا نبحث عن كاميرا أو حقيبة أو سيارة لهان الأمر، أما أن نبحث عن قرية فهذا غير معقول!!
في تلك اللحظة سارع كريم قائلا: نحن في ارض القرية. من الصعب أن نصل إلى مركزها بسبب وعورة المنطقة. لو كنت اعرف لأتيت في سيارة الجيب. سيارة السوبارو هذه لا تمتلك القدرة على الوصول. واستدار في السيارة وابتدأت رحلة العودة.
الآن نحن في الطريق.
وران الصمت علينا جميعا ، ولم يكن بد من قطعه، وابتدأ قائد المركبة يشرح لنا عن الأشجار. هاته شجرة السدر وتلك شجرة البطم، وتلك في البعيد أشجار الاثل. إنها أشجار تنبت في الواحات في الصحاري. إنها تنتقل بواسطة التلقيح الهوائي. تصور المساحات التي تقطعها بذور الأشجار كي تنتقل من مكان إلى آخر. إنها تمتلك القدرة على الانتقال من قارة إلى أخرى، وهناك أشجار فريدة في بلادنا، جاءت من بلدان أخرى بعيدة ، وهي موجودة في أماكن محدودة جدا.
طريق العودة إلى كفر كنا بلدة كريم ، والرينة بلدة موسى، والناصرة حيث أقيم أنا وزميلي عصام حسن، لم تكن صعبة، غير أن الأسئلة الحائرة التي كانت تنطلق من فم الصديق موسى كانت صعبة، فلماذا لم نتوفق في الوصول إلى مركز القرية؟ ولماذا لا تأخذ جمعية مثل "جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين" العرب الفلسطينينيين في إسرائيل، المبادرة على عاتقها فتسارع إلى المزيد من إشاعة المعرفة بالقرى المهجرة، بل لماذا لا تصدر خارطة خاصة بهاته القرى؟!
بقلم الكاتب ناجي ظاهر

ناجي ظاهر على أنقاض سيرين

ناجي ظاهر في وادي البيرة |