" الصندوقة " ..قصة للكاتبة رجاء بكرية

"الصندوقة "

رجاء بكرية

قصة " الصندوقة " تحمل اسم مجموعة قصصية للكاتبة رجاء بكرية ، وقد فازت بتمثيل الأدب النسائي الفلسطيني في مؤتمر نساء حوض البحر الأبيض المتوسط ...الذي انعقد في آذار /مارس 1997في مرسيليا --فرنسا .

"لقد قلت في نفسي بأنني عشت أكثر من اللازم في الكذب وخيال الظل بحيث لن يعوزني الانتباه الى أنني تورطت في قضية قذرة .وعليه فقد قررت أن أضاعف يقظتي ،وأن احتفظ بأوراق اللعب الضرورية لخروج مشرف أو هرب مفاجىء وكان لا بدّ أن أفحص حالة الأمكنة والشخصيات" .

(الطاهر بن جلون )

الصندوقة

توقعت أن اراه يومًا ما متلبسًا في شروده، لكن ليس يوم الثلاثاء أكثر أيام فوضى وصعوبة وليس بقرب المكان الوحيد الذي أزوره ما يزيد عن ثلاث مرات اسبوعية ، حيث العلبة الحديدية الصغيرة ذات الثقب الذي تتجاوب شيفرته فقط مع مفتاح برونزي صغير معلق منذ سنين بسلسلة ذهبية تلف عنقي، قدمها الى أول رجل شعط مواضع لم أكن أعرفها في جسدي فأضاء بريقًا لا زال يفتنني تجدده في عيني اليمنى كما صافحت ظلالي في مرآة الحائط القديمة . هذا المكان الذي لا أرغب في رؤية أي من صور الماضي الكالحة أو الحاضر المشوشة قريبًا منه خوفًا من عواقب صدفة ستتحول لمصيدة يضبطني على بابها كل من يعرف أني مغرمة بالمفاجآت فافتقد صلتي بالعالم  للأبد .

ذلك لأن تلك الصندوقة الصغيرة يعتبرها من يعرفني علامة مميزة لوجودي وفقط من يرى لهفتي والصندوقة تغامز المفتاح بكلمة السر وهو معلق بعنقي سيفهم ما أعني . وان تصطدم بلاهتي خلف النظارات السوداء ومقود السيارة المرتعد ببلاهة شاهر المتشككة والفزعة خلف عدساته الطبية ذات الاطار الأسود ومقود سيارته المتخلي عن كل علاقة له بطابور السيارات الطويل،وطابور الشتائم، واستغاثات الزامور العصبي الناشئة عن لحظة الصدام العشوائي تلك التي كهربت خطوط الشارع وعقول الناس أمر لم يرد بالحسبان . شاهر الزفت وفي هذا اليوم، ببساطة أمر غير معقول. قبل بضعة أشهرٍ فقط كان حكاية وله شوق. اذكر جيدًا كم تمنيت مصادفته بطريقة ما ولم يحصل، واليوم بالذات ونحن على مفترق السوء والاستياء معًا نجتمع حيث كلينا متورط مع نفسه ولا يريد أن يتراجع عن قراره السفيه " أنت هناك وانا هناك ويا دار صيري دارين "...لكن شاهر منذ صارت دارنا دارين لم يتركني بحالي، صار جزءًا من الوسادة والملاءة والضوء الاحمر الذي لم يشعل سوى عتمة ليالينا الساخنة، جزءًا من الحلم والكلمات التي ارسلها بالبريد المستعجل لعنوان خيالي، وغرضا من الاغراض التي تنقص البيت ويجب ان اشتريها من اقرب حانوت او صيدلية، حتى اقتنعت انه لا بد كان يترك شيئًا منه في كل مرة يأتي لزيارتي وفي ساعات غيابي تعارفت تلك الاشياء وقررت أن تصير شاهرًا آخر يناكدني، يفسد علي وجودي، يذكرني بجنونه ومجون اصابعه الطويلة الرشيقة التي لا اذكر انها نسيت وهو في اقصى لحظات نشوته ان تذكرني بانوثتي وتشبع كل شبر يضج فيها لاعيد النظر في موقفي حتى يضطر هو الاخر ان يحذو حذوي .

لقد جعل من اصابع يديه مفاتيح للاقفال المغلقة والصندوقة الحديدية بالذات التي استجابت شيفرتها لاحدى اصابعه .لم ادر كيف ولم يكن يعنيني ان اعرف اذ كنت منساقة لغرائبية تلك العلاقة التي انبثقت تحت لامبة كهرباء محترقة جاء يكشف عن عطبها فعطبني انا بناره واشتعل بدخاني .أمر تلك الالفة السريعة صعقني فذلك لم يحدث لي من قبل ...وحائط الجليد ذاب عند اقدام الباب المنفرج نصف فرجة، حيث شعرت فجأة ان اصابع يديه تتحدث وانني مضطرة للاصغاء الى حديثها ولو استدعى الامر ارغامه على السماح لي بذلك، لكن الحديث استحال    همسًا ...لغطًا ...ضياعًا ...رغبة..صراخًا ..مشى مشى ولم يتوقف حتى مشت فينا سحب العتمة .

للحظة نسينا اننا في شارع. زجاج النظارة السوداء يتحداه.انه بلا شك نسي شكلي ولا بدّ أن تعابيره المنقبضة الواضحة خلف الزجاج الابيض تبحث عن شيء ما، ربما هوية المرأة الواقفة بمواجهته تستفزه بنفير سيارتها الرمادية، أين رأى هذا اللون قبل الآن ؟ضيق نظراته تتسع أمامها تفاصيل الامس معها، أتكون هي؟ بوق السيارة صرخ ثانية، ارادت ان يفسح لها المجال كي تنخرط بالجهة اليمنى للشارع وهو كالابله لا يفهم انها الصدفة وحدها خلقت هذا الصدام وانها لا تعاكسه ، عبثًا لن يفهم ولن يتذكر.للمرة الثالثة فتح بوق السيارة بوجهه ولم يحرك ساكنًا ، ظل يبحث عن شيء، هوية المرأة . ضاقت نظراته وجمدت ملامحه وفجأة كأنما استفاق من حلم تدحرج بين حشود السيارات المتزاحمة على المقدمة . اندفعت في اثره مشدودة لقوة غريبة تجذبها ولا تملك ردعها .صار همها ان تجده لتشتمه او تبصق في وجهه او ان تفعل اي شيء آخر يهدىء من روعها ويمنحها قليلاً من الكبرياء، المهم ان تفعل شيئًا . بصعوبة سيطرت على ارتجاف ساقها فوق دعسة الوقود. تتجاوز المؤشر في ضوء احمر .تستبق السيارات وتشتم كل من يحاول زجرها ببوق سيارته عن حرية العبور من جهة لاخرى كأنّ الشارع ملك لابيها، تقاتل على كل شبر فيها، حيوان جريح يحاول ان يقتص من قانصه الذي أخطأ قلبه واستقرّ رمحه في عنقه، يجري في كل اتجاه بحثًا عن ملامحه فتخونه الوجوه . لن ارتاح الا اذا نجحت في العثور على وجهك يا شاهر ، اين ضعت الآن ؟ استقرّت عيناها فجأة على مؤخرة سيارته البيضاء ، النمرة تحفظها عن ظهر قلب . ضغطت على الفرامل بقسوة خوف أن تضلّه وتقدمت الهوينى وهي ترتجف . اسلمت صفحة وجهها الكامدة لكلام عينيه . كان لشدة توتره ولا يقرأ ...اسقطت عنها الصفائح السود لتستفزه اكثر فليس مثلها احد يعرف مدى ولعه بالحديث الذي تقوله عيناها، لأقل من دقيقة حيث استعدّ المؤشر للإفراج عن الوقود، اعادت الصفائح السوداء فوق عيونها. كفّ الكلام عن التدفق ولم يكف فضولها عن شرب وجومه ...وقبل ان تمضي رأت يدها تمتدّ عبر الزجاج ، ترتفع عاليًا وتلوح لشخص شاهر بحرارة لم تفهمها ...تصفعه بطريقة عصرية وتختفي في آخر المنعطف بينما اعتلى الرصيف وترك نظراته تضيق..تضيق وتتذكّر .

3/1995

 

 

 

 

هل تعلم من هو المتنبي

لمعلومات عن المتنبي تفضل بالضغط هنا

0546446736 شادي مصالحه - ليانت - 89
© 2012 alzahraa.net