أنوار دبور في خاطرة جديدة " في صمت "
تدق دقات القلب في صمت... نرى الجمال في صمت... نحلم أحلامًا في صمت... نشعر بالحب في صمت... تمر ساعات في صمت... نحزن ونكتم الأحزان في صمت... نفرح ونشعر بالسعادة في صمت... 
 
تُركت الرسالة موضوعةً على طرف الطاولة في غرفة وحيد تترنّح وتتقلّب تارةً إلى اليمين وتارةً إلى اليسار، بسبب الهواء العابر من النافذة المفتوحة المطلّة على حديقة المنزل، يداعبها الهواء كنسيم البحر الذي يداعب الأمواج فيحرّكها بكل هدوء... لم يطق وحيد رؤيتها بعد أن قرأ ما بداخلها، إنّها تلك نهاية اللعبة التي تألم فيها وحيد لخسارة اللاعبين الذين لم ينجح بالتغلب عليهم، بل أخرجته الحياة بأناملها القاسية، اللامبالية بما كان قد سيحدث لو فكّرت قليلا، وتأمّلت الأمور بهدوء مرة أخرى فقط ! إنّها نهاية قصة حُب، وأي حب، بل عشق ووله وشغف، كانت قد انتهت بمجرّد بعض اللحظات الني تحمل معانٍ تدمع العين، وتجرح القلب، لعلّها سكين قد دخلت وقطّعت قلب وحيد العاشق، لِما مرّ به من آلام.
بدأت هذه القصة وككل قصة باللحظات السعيدة والبريئة ، مليئة بالمفاجآت والنعيم ، كبداية حياة آدم في الجنة ، إلى أن وصلت المواصل ودُفِع به إلى الخارج ، نعم ، بل أُلقي وحيد خارج عالم اسمه السعادة وأُقفل الباب ، وقد مُنع من الدخول مرة أخرى ، كمن يمد لك الحبال لإخراجك من البئر وما إن أوشكتَ بالخروج من بئر الظّلمة والتعاسة حتى انقطعت هذه الحبال ، وعُدّت يائسًا حزينًا لداخل عالم الظّلمة !
 
في صباح اليوم الثاني والعشرين من كانون الثاني خرج وحيد من المدرسة ، عائدًا إلى البيت ، وكيف ينسى هذا اليوم الذي كان قد وجد فيه المفتاح الذي كان ضائعًا منذ زمن والذي قد عاد وأضاعه مؤخّرًا ، كان مارًّا من الشارع الفرعي للبلد ، وإذ به يرى فتاةً من مدرسته ، تبلغ من العمر بما يساوي عمره ، إنّها كوجه القمر أو أجمل، كنور الشمس أو أجمل ، شعرها الأسود الطويل كظُلمة الليل أو أجمل ، خدّاها الحمراوان كلون التفاحة أو أجمل ، عيناها السّاحرتان تكادان ترمشان برموش سوداء سميكة ، وتقول : من أنت ؟! لم يكد وحيد يصدّق ما يراه حتى بدأ قلبه يخفق بسرعة ، أعادت بصوت ناعم يخرج من شفتين رقيقتين : من أنت ؟! أجاب وحيد : أنا ... أنا ... ، فقالت قمر : ما بك ؟ فأجاب وحيد : أنا اسمي وحيد ! ما رأيك أن نصبح أصدقاء ؟ فأجابت قمر : حسنًا ... ولكنني لا أعرف من أنت ، على حد علمي أنك من الصف المجاور لصفنا ؟! أجاب وحيد: نعم ... فقالت: لا مانع، ولكنني أرغب في أن تعرّفني على نفسك أكثر . تحدّثا وتحدّثا حتى آن الأوان للعودة إلى المنزل ، فقالت قمر: أرجوك لقد تأخّرت ، لو سمحت أود العودة إلى البيت ، أراك غدًا ! أجاب : حسنًا ، كما تريدين .
 
عاد وحيد يفكّر ويتأمل طوال الطريق بما حدّثته قمر ، يتذكّرها ويبتسم ، لقد دخلت إلى قلبه من دون إذن .
بعد مرور أكثر من أسبوعين أصبح وحيد وقمر صديقين حميمين ، لقد اعتبرت قمر هذه الصداقة أخوية ، ولكن وحيد قد عشقها عشقًا من دون حدود ، فقد طار في سماء نفسها من دون قيود ، ولكنه لم يستطع أن يوصل لها مقصده ، لقد حاول كثيرًا وقد باءت جميع محاولاته بالفشل ، إلى هنا قد انتهى الشوط الأول من اللعبة ، والذي كان نجاحًا تلو الآخر ، وسعادةً تلو الأخرى ، حتى وصل بطلنا إلى القمة ، ولكن الخوف من الشوط الأخير ، الخوف من أن تنقلب الموازين رأسًا على عقب ، فيا للعجب ! ماذا حدث ؟! ....
في اليوم الثالث من شهر آذار ، وكما يبدو أن السماء قد تلبّدت بالغيوم السوداء ، إنها دلالة على بداية هطول الآلام والأحزان من سماء قمر ، إلى أرض وحيد ، ففي الصباح الباكر من هذا اليوم ، كان وحيد وكالمعتاد ذاهبا إلى المدرسة يترقّب وصول قمر ، وبينما هو يمشي في الجهة المقابلة للمدرسة ، سمع صوتًا يناديه ، فتلفت حوله ورأى قمر مسرعةً نحوه ، تحمل مكتوبًا في يدها ... أرادت أن تقطع الشارع لتصل إلى وحيد ، لم تتلفّت يمينًا أو يسارًا ، بل اندفعت مسرعةً نحو الشارع ، لم تكترث للسيارات ! .... صاح وحيد : انتبهي ، لا تتسرّعي ،.... فجأة ... يا إلهي ! ماذا حدث ؟! توقّف القلب عن الخفقان ، أغمضت العينان الساحرتان ، طار الشعر الأسود الطويل ، إلى هنا انتهت حياتها ، لم يصدّق وحيد ما حدث ! بقي متجمّدًا برهةً في مكانه ، ثم ركض نحوها وصرخ بكل ما فيه من طاقة : لا ... أرجوك لا ... ! سالت دموعه الحارة من غير ارادته ، كانت تنهمر على الأرض حتى التفت إلى المكتوب الذي كانت تحمله قمر ، الذي كان ملطّخًا بالدماء ، وفتحه ليقرأه ...
" عزيزي وحيد ...
لقد سعدت كثيرًا بمعرفتك فقد وجدت فيك جميع الصفات الجميلة والحسنة ، لقد شعرت دائمًا بشغفك المستمر تجاهي ، لقد حاولت أن اتجاهلك بسبب المدرسة والدروس ، لكنني أحبك ... ! وأتمنى أن تسامحني لِما قد آلمتك به ... 
الصديقة قمر ! "
ما أن انتهى وحيد من قراءة المكتوب حتى كان قد امتلأ المكتوب بدموعه الساخنة ، ترك الرسالة على الطاولة وخرج مسرعًا ، هائمًا على وجهه لقد بقي وحيد وحيدًا منعزلا من دون قمر  ، حتى انتهت اللعبة بخسارة الفريقين ... !

بقلم : أنوار دبور
الصف : التاسع "د"

 

 

هل تعلم من هو المتنبي

لمعلومات عن المتنبي تفضل بالضغط هنا

0546446736 شادي مصالحه - ليانت - 89
© 2012 alzahraa.net